The Third Arab Conference on Legal Departments Legal Departments The Third Arab Conference on Legal Departments

إعادة هيكلة العمليات القانونية لتقليل الهدر

إعادة هيكلة العمليات القانونية لتقليل الهدر

تواجه الإدارات القانونية في الشركات زيادة مستمرة في حجم الطلبات، في مقابل محدودية الوقت والموارد البشرية والميزانيات. ووفقًا لتقرير حالة الإدارات القانونية في الشركات لعام 2026 الصادر عن معهد تومسون رويترز، أشار ما يقارب نصف المستشارين القانونيين العامين المشاركين في الدراسة إلى أن قيود الموظفين والموارد تمثل العائق الرئيسي أمام تقديم قيمة إضافية. لذلك، لم يعد تحسين أداء الإدارة القانونية قائمًا على زيادة ساعات العمل، بل على إعادة تصميم العمليات وتوجيه الموارد إلى الأعمال الأعلى قيمة.

توفر منهجية Lean إطارًا عمليًا لتحقيق ذلك. وقد نشأت هذه المنهجية في نظام تويوتا للإنتاج، ثم تطورت إلى فلسفة إدارية تقوم على تحديد القيمة المطلوبة، ورسم مسار العمل، وتحقيق التدفق، وربط العمل بالطلب الفعلي، والتحسين المستمر. وعند تطبيقها على الإدارة القانونية، تكون القيمة هي تقديم دعم قانوني واضح وفي الوقت المناسب وبمستوى يتناسب مع طبيعة المخاطر، بما يساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات سليمة ويحميها من التعرض القانوني غير المقبول.

ويقصد بالهدر كل نشاط يستهلك وقت الإدارة القانونية من دون أن يضيف قيمة حقيقية، مثل نقص المعلومات عند تقديم الطلب، وتكرار جمع البيانات، وتعدد قنوات التواصل، وطول فترات الانتظار، وعدم وضوح المسؤوليات، وتكرار الموافقات، أو تكليف كبار المحامين بأعمال روتينية يمكن تنفيذها من خلال نماذج معتمدة أو موظفين مدربين.

ولا تهدف Lean إلى إلغاء الضوابط القانونية الضرورية، وإنما إلى التمييز بينها وبين الإجراءات التي لا تخدم غرضًا واضحًا ولا تضبط خطرًا حقيقيًا.


اكتشاف الاختناقات التشغيلية

يقصد بالاختناق التشغيلي (Bottleneck) المرحلة التي تتراكم عندها الطلبات بسبب محدودية القدرة على تنفيذها أو تعذر الانتقال إلى المرحلة التالية. ويظهر ذلك، على سبيل المثال، عندما تُرسل طلبات مراجعة العقود عبر قنوات متعددة، أو تصل من دون المعلومات التجارية الأساسية، أو تعتمد جميع المراجعات على محامٍ واحد، أو تُجرى الموافقات بصورة متتابعة رغم إمكانية تنفيذ بعضها بالتوازي.

وقد يبدو بطء الإنجاز هو المشكلة الأساسية، بينما تكون الأسباب الحقيقية هي ضعف إجراءات استقبال الطلبات، وتكرار العمل، وتأخر انتقال المسألة بين المسؤولين، وسوء توزيع المهام.

ويعد رسم مسار القيمة (Value-Stream Mapping) من أهم أدوات اكتشاف هذه الاختناقات. ويقوم على توثيق جميع المراحل التي يمر بها الطلب القانوني، بدءًا من تقديمه وحتى تسليم الرأي أو الوثيقة النهائية. ويشمل ذلك تحديد المسؤول عن كل مرحلة، والمعلومات المطلوبة، ووقت العمل الفعلي، ومدة الانتظار، وعدد مرات انتقال الطلب، وأسباب الموافقات، ومعدل إعادة العمل.

وبعد رسم الوضع القائم، يمكن للإدارة القانونية تصميم مسار مستهدف أكثر كفاءة. وينبغي عند مراجعة كل مرحلة طرح الأسئلة الآتية:

  1. هل تضيف هذه المرحلة قيمة أو تضبط خطرًا قانونيًا جوهريًا؟

  2. هل يلزم أن ينفذها الشخص المكلف بها حاليًا؟

  3. هل يمكن تنفيذها بالتوازي مع مرحلة أخرى أو الاستغناء عنها؟

  4. ما المعلومات التي تمنع إعادة الطلب إلى مرحلة سابقة؟

ويجب أن يركز التحسين على المسار بأكمله، لا على تسريع عمل شخص واحد مع بقاء بقية أسباب التأخير من دون معالجة.


إعادة هيكلة مسار العمل وتبسيطه


أولًا: إنشاء بوابة موحدة للخدمات القانونية

يبدأ تبسيط مسار العمل بإنشاء قناة واضحة وموحدة لاستقبال الطلبات، مثل بوابة للخدمات القانونية أو نموذج إلكتروني أو نظام مركزي لإدارة المسائل. وينبغي أن تجمع هذه القناة منذ البداية البيانات الأساسية، مثل الهدف التجاري، والطرف المقابل، والموعد المطلوب وأسبابه، والقيمة المالية، والنطاق الجغرافي، وحساسية البيانات، والنتيجة المطلوبة، وأي خروج عن النماذج أو المواقف المعتمدة.

وتساعد هذه البيانات على منع إعادة الطلبات بسبب نقص المعلومات، كما تتيح توجيهها تلقائيًا إلى المختص المناسب ومتابعة حالتها.


ثانيًا: أتمتة الطلبات الروتينية

يمكن معالجة بعض الأعمال المتكررة من خلال بوابات الخدمة الذاتية (Self-Service Portals)، والنماذج المعتمدة، ومكتبات الشروط، والأدلة الإجرائية، وقواعد المعرفة، والاستبيانات الموجهة، وأدوات إعداد المستندات آليًا.

ومن التطبيقات المناسبة لذلك:
  • اتفاقيات عدم الإفصاح النمطية.

  • الموافقات التسويقية الروتينية.

  • الاستفسارات المتكررة المتعلقة بالعمل.

  • الإرشادات الأساسية للامتثال.

  • الطلبات التعاقدية التي لا تتضمن خروجًا عن المواقف المعتمدة.

ويتفق ذلك مع إطار Core 12 الصادر عن اتحاد العمليات القانونية للشركات (CLOC)، الذي يربط إدارة المعرفة بإعادة استخدام الخبرات والمحتوى المعتمد، ويربط التكنولوجيا بالأتمتة والرقمنة وتحسين إنتاجية الموارد.

ومع ذلك، يجب أن يكون لكل أداة نطاق استخدام واضح، ومسؤول عن تحديثها، وتاريخ للمراجعة، وضوابط للوصول إلى البيانات، وقواعد لإحالة الاستثناءات إلى المحامي المختص. كما يجب دمج متطلبات السرية والامتياز القانوني وحماية البيانات والأمن السيبراني في تصميم المسار.

وتؤكد قاعدة الكفاءة المهنية الصادرة عن نقابة المحامين الأمريكية (ABA) أهمية مواكبة المحامي لمزايا التكنولوجيا ومخاطرها. وبناءً عليه، ينبغي أن تقتصر الأتمتة على تنفيذ الإجراءات الروتينية المعتمدة، مع بقاء التقدير القانوني في المسائل الجديدة أو المعقدة أو عالية المخاطر بيد المحامي المسؤول.

ثالثًا: تصنيف العمل حسب الخطورة والأهمية

لا ينبغي وضع جميع الطلبات في قائمة واحدة أو إخضاعها للمدة ومستوى المراجعة نفسيهما. والأفضل تصنيفها وفق درجة المخاطر القانونية، والأثر التجاري، والاستعجال، والتعقيد، والقيمة المالية أو التأثير المحتمل في السمعة.

ويمكن استخدام النموذج المبسط الآتي:

 

 المستوى النمطي يشمل الأعمال المتكررة منخفضة المخاطر التي تخضع لموقف معتمد، ويمكن التعامل معها من خلال الخدمة الذاتية أو نموذج موحد أو موظف مدرب، مع إحالة أي استثناءات إلى المختص القانوني.

 

أما المستوى الخاضع للإدارة فيشمل المسائل ذات المخاطر المتوسطة أو التي تتضمن خروجًا محدودًا عن المواقف المعتمدة، ويتولاها مختص قانوني وفق دليل إجرائي ونقاط إحالة محددة. بينما يشمل المستوى الاستراتيجي المسائل ذات المخاطر المرتفعة أو الجديدة أو التي تنطوي على أثر تجاري جوهري، وتتطلب إشرافًا مبكرًا من محامٍ أول، والاستعانة بالخبراء عند الحاجة، ووضع خطة مخصصة للمعالجة.

 


ويعكس هذا التصنيف مبدأ CLOC القائم على فهم طبيعة العمل ومخاطره، ثم إسناده إلى المورد الداخلي أو الخارجي الأنسب. وقد يشمل ذلك المحامين الداخليين، والمختصين القانونيين، ومكاتب المحاماة، أو مقدمي الخدمات القانونية البديلة.

ولا يقتصر أثر التصنيف على تحديد الشخص المسؤول، بل يمتد إلى مستوى الخدمة. فقد يخضع الطلب الروتيني لمدة إنجاز قصيرة، بينما تتطلب التحقيقات المعقدة ردًا على مراحل، وقد تستلزم الصفقة الكبرى فريقًا متعدد التخصصات.


تطبيق Agile في توزيع المهام

تتكامل منهجيتا Agile وLean، وإن لم تكونا مترادفتين. ويعرّف دليل Scrum هذه المنهجية بأنها إطار مرن يساعد الفرق على تحقيق القيمة من خلال حلول قابلة للتكيف مع المشكلات المعقدة.

ولا يعني تطبيق Agile على العمل القانوني نقل أساليب تطوير البرمجيات بصورة حرفية، وإنما الاستفادة من ممارسات محددة، مثل إظهار المهام، وترتيب الأولويات، وتقسيم المشروعات إلى مراحل قصيرة، ومراجعة النتائج، وتعديل خطة العمل.

ويمكن للإدارة القانونية إنشاء قائمة مرتبة بالأولويات (Prioritized Backlog) تضم المهام الميدانية والفنية والاستشارية، ثم اختيار مجموعة قابلة للإنجاز خلال دورة قصيرة. كما يمكن استخدام لوحة للمهام توضح المسائل التي تنتظر المعلومات، أو قيد التنفيذ، أو قيد المراجعة، أو التي تم إنجازها.

وينبغي أن تركز الاجتماعات القصيرة على العقبات التي تعوق الإنجاز، وألا تتحول إلى عبء تقريري إضافي. وفي نهاية كل دورة، يراجع الفريق ما تم إنجازه، وأسباب التأخير، وتوزيع الأعباء، وحالات إعادة العمل، ثم يحدد التحسينات المطلوبة.

وتكون هذه الممارسات مناسبة بصفة خاصة عند تنفيذ متطلبات تنظيمية جديدة، أو إعداد نماذج تعاقدية، أو تحديث السياسات، أو إدارة أعمال الفحص النافي للجهالة، أو تطبيق نظام للتكنولوجيا القانونية.

أما المواعيد القضائية والتحقيقات والمفاوضات الحساسة، فلا ينبغي إخضاعها لدورات عمل مصطنعة؛ إذ يظل مسارها محكومًا بالتقدير المهني والظروف الخارجية، وإن استفادت من وضوح المهام والمسؤوليات وسرعة تبادل المعلومات.

كما تساعد Agile على تقليل الضغط المهني من خلال إظهار الطاقة المتاحة، والحد من تعدد المهام المفتوحة، وتوضيح أثر الطلبات العاجلة في بقية الأولويات، والمحافظة على وتيرة عمل مستدامة.


التطبيق وقياس الأداء

يُفضل البدء بعملية واحدة مرتفعة الحجم أو كثيرة المشكلات، بدلًا من إجراء تحول شامل أو شراء نظام تقني قبل فهم الاحتياجات. ويمكن تنفيذ ذلك من خلال الخطوات الآتية:

  1. تحديد الوضع القائم ومؤشرات الأداء الأساسية.
  2. رسم المسار الحالي بمشاركة طالبي الخدمة والقائمين على تنفيذها.
  3. تحديد مصادر الانتظار والتكرار وإعادة العمل.
  4. تصميم مسار مستهدف يوضح المسؤوليات ودرجات المخاطر ومستويات الخدمة.
  5. اختبار المسار على نطاق محدود.
  6. تدريب المستخدمين ومقارنة النتائج بخط الأساس.
  7. تثبيت التحسينات الناجحة ومراجعتها دوريًا.

ويقدم دليل Legal Lean Six Sigma الصادر عن جمعية المستشارين القانونيين للشركات دورة تحسين تتكون من التعريف، والقياس، والتحليل، والتحسين، والرقابة.

وينبغي أن تشمل مؤشرات الأداء مدة الإنجاز بحسب نوع المسألة، وحجم الطلبات المتراكمة، ونسبة الطلبات المكتملة عند تقديمها، ومعدل إعادة العمل، ونسبة استخدام المسارات النمطية، وتوزيع الأعباء، ورضا أصحاب المصلحة، وتكلفة المسألة، والعمل الإضافي.

ولا يعد المسار الأسرع أكثر كفاءة إذا أدى إلى زيادة الأخطاء أو إغفال المخاطر. لذلك، يجب أن يقترن كل مؤشر للسرعة أو التكلفة بمؤشر للجودة، مثل حالات الخروج عن المواقف المعتمدة، أو الالتزامات التي لم تُنفذ، أو التصحيحات اللاحقة لإتمام العمل.

الخلاصة

تمثل Lean Legal Operations منهجًا لإعادة تصميم الخدمات القانونية بما يضمن تقديم العمل المناسب، من خلال المسار المناسب، وبمستوى جهد يتناسب مع المخاطر. وتساعد بوابات الخدمة الذاتية والأتمتة على معالجة الأعمال الروتينية، بينما يضمن التصنيف القائم على المخاطر توجيه الخبرة القانونية إلى المسائل الأعلى أهمية. كما تسهم ممارسات Agile في إظهار الأولويات والطاقة المتاحة والعقبات التشغيلية.

ولا يُقاس نجاح الإدارة القانونية بالسرعة وحدها، بل بقدرتها على الجمع بين جودة الرأي القانوني، وفاعلية الضوابط، وسرعة الاستجابة، ودعم أهداف المؤسسة، والمحافظة على بيئة عمل منتجة ومستدامة وقليلة الإجهاد.

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك كل جديد من المقالات والتحليلات القانونية مباشرةً على بريدك الإلكتروني.