إدارة المعرفة القانونية بالذكاء الاصطناعي: تجربة شركة Mars في تحويل الخبرات المتراكمة إلى مورد مؤسسي
أصدرت جمعية مستشاري الشركات (Association of Corporate Counsel – ACC) في عام 2026 دراسة حالة تطبيقية عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المعرفة لدى الفرق القانونية الكبيرة (AI Use Case: Knowledge Management for Large Legal Teams)، ضمن موارد مركز التميز في الذكاء الاصطناعي للمستشارين القانونيين الداخليين التابع للجمعية. وتعرض الدراسة تجربة الإدارة القانونية في شركة Mars, Inc. في تطوير وكيل ذكي يحمل اسم Mars Legal Beagle، بالاعتماد على منصة Microsoft Copilot ومستودع داخلي مركزي للمعرفة القانونية.
وتنبع أهمية الدراسة من معالجتها أحد أبرز التحديات التي تواجه الإدارات القانونية الكبيرة، والمتمثل في تشتت المعرفة المؤسسية وصعوبة الوصول إلى الآراء والمذكرات القانونية التي سبق إعدادها، بما يؤدي إلى تكرار العمل وزيادة الاعتماد على المستشارين الخارجيين وارتفاع النفقات القانونية، فضلًا عن احتمال عدم اتساق المشورة المقدمة إلى قطاعات المؤسسة المختلفة.
وتهدف الدراسة إلى تقديم نموذج عملي يوضح كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في تجميع المعرفة القانونية المتراكمة وتيسير البحث فيها وإعادة استخدامها، بما يعزز كفاءة الإدارة القانونية، ويسهم في ترشيد الإنفاق وتحسين سرعة الاستجابة وجودة الخدمات المقدمة إلى قطاعات الأعمال.
محتوى الدراسة
تستعرض الدراسة تجربة إدارة قانونية كبيرة تضم أكثر من 230 متخصصًا قانونيًا، يعتمدون في جانب من أعمالهم على المعرفة التي ينتجونها داخليًا أو على الآراء والاستشارات الواردة من مكاتب المحاماة الخارجية. وكانت هذه المعرفة تُحفظ سابقًا بطريقة لا تتيح الوصول إليها أو إعادة استخدامها بسهولة، الأمر الذي كان يدفع المحامين إلى قضاء وقت طويل في البحث عن المعلومات، أو الرجوع إلى زملائهم، أو تكليف المستشارين الخارجيين بإعادة الإجابة عن مسائل سبق بحثها. وقد ترتب على ذلك أوجه قصور تشغيلية وتكاليف غير ضرورية، قدرتها الدراسة مجتمعة بمئات الآلاف من الدولارات سنويًا.
ولمواجهة هذه الإشكالية، أنشأت الشركة وكيلًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي تحت اسم Mars Legal Beagle، يتيح لأعضاء الإدارة القانونية البحث في مستودع مركزي يضم الآراء القانونية والمستندات والمواد التدريبية، والحصول على إجابات مولّدة استنادًا إلى هذا المحتوى.
ولا يقتصر دور الأداة على تقديم الإجابات، بل تُرفق بها روابط مباشرة إلى المستندات الأصلية التي استندت إليها، بما يمكن المحامي من التحقق من دقتها ومراجعة سياقها. ويجسد ذلك مبدأ بقاء العنصر البشري ضمن دائرة اتخاذ القرار، اتساقًا مع سياسة الشركة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
وتوضح الدراسة أن تنفيذ المشروع بدأ بتنظيم جلسات عمل لمدة ساعة مع كل مجموعة تخصصية داخل الإدارة القانونية، جرى خلالها تحديد الأعمال الحديثة وآراء المستشارين الخارجيين والمواد التدريبية ذات الصلة، ثم تحميلها مباشرةً إلى المستودع المركزي. وبعد تجميع المحتوى، جرى بناء الوكيل الذكي وربطه به لتيسير البحث وتوليد الإجابات.
كما تشير الدراسة إلى مرحلة مستقبلية تستهدف تنقية قاعدة المعرفة من المعلومات المشمولة بالسرية والامتياز المهني القانوني، تمهيدًا لإنشاء أداة للخدمة الذاتية تتيح لقطاعات الأعمال الوصول مباشرةً إلى بعض المعلومات القانونية المناسبة، مع إبقاء المسائل المعقدة أو الحساسة تحت إشراف الإدارة القانونية.
أبرز النتائج
- أسهم إنشاء مستودع مركزي للمعرفة القانونية في تيسير الوصول إلى الآراء والمذكرات والمواد التدريبية المتراكمة داخل الإدارة القانونية.
- مكن وكيل الذكاء الاصطناعي Mars Legal Beagle المحامين من البحث في المحتوى القانوني والحصول على إجابات سريعة مرتبطة بالمستندات الأصلية التي استندت إليها.
- حافظ النظام على دور المحامي في مراجعة الإجابات والتحقق منها، تطبيقًا لمبدأ بقاء العنصر البشري ضمن دائرة اتخاذ القرار ووفقًا لسياسة الشركة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
- ساعدت التجربة على تقليل الوقت الذي يقضيه المحامون في البحث عن المعلومات أو الرجوع إلى الزملاء بشأن مسائل سبق بحثها.
- عززت مركزية المعرفة اتساق المشورة القانونية المقدمة إلى قطاعات الشركة المختلفة، بما يحد من مخاطر صدور توجيهات متباينة بشأن مسائل متماثلة.
- دعمت الأداة سرعة استجابة الإدارة القانونية لاحتياجات الأعمال، ورفعت قدرتها على تقديم خدماتها والتوسع فيها بكفاءة أكبر.
- تتوقع الشركة خفض اعتمادها على المستشارين الخارجيين من خلال الحد من إعادة تكليفهم بمسائل سبق بحثها داخليًا، بما يرجح أن يحقق وفورات مالية ملموسة، دون أن تتضمن الدراسة قياسًا نهائيًا لحجم هذه الوفورات.
- أثبتت التجربة أن البدء بتجميع المعرفة وإتاحتها عمليًا كان أكثر فاعلية من الانشغال منذ البداية ببناء قاعدة بيانات مثالية من حيث التصنيفات والبيانات الوصفية وقواعد التسمية.
- أسهمت جلسات العمل المركزة مع المجموعات القانونية في زيادة المشاركة وضمان رفع المستندات والمواد ذات الصلة إلى المستودع المركزي بصورة فعلية.
- هيأت قاعدة المعرفة المركزية لإطلاق نموذج مستقبلي للخدمة الذاتية، بعد تنقية المحتوى من المعلومات السرية أو المشمولة بالامتياز المهني، بما يسمح لقطاعات الأعمال بالوصول إلى بعض المعلومات القانونية مباشرةً.
كيفية الاستفادة من الدراسة
يمكن للإدارات القانونية في الشركات والمؤسسات الكبيرة الاستفادة من هذه الدراسة بوصفها نموذجًا تطبيقيًا لبناء منظومة لإدارة المعرفة تبدأ بحصر المذكرات والآراء القانونية والنماذج التعاقدية والمواد التدريبية، ثم تجميعها في مستودع مركزي وربطها بأداة بحث مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كما يمكن لمسؤولي العمليات القانونية الاستفادة من منهج التنفيذ المرحلي الذي اتبعته الشركة، ولا سيما عقد جلسات مركزة مع فرق العمل لجمع المعرفة مباشرة، بدلًا من الاكتفاء بطلب رفع المستندات بصورة اختيارية أو غير محددة زمنيًا. ويساعد هذا الأسلوب على تجاوز ضعف المشاركة وتحويل إدارة المعرفة إلى مشروع مؤسسي له مسؤوليات ومواعيد واضحة.
وتفيد الدراسة كذلك مسؤولي التقنية والتحول الرقمي في ضرورة تصميم أدوات الذكاء الاصطناعي بما يتيح الرجوع إلى المستندات المصدرية، وعدم التعامل مع الإجابات المولّدة باعتبارها بديلًا عن المراجعة المهنية. ويجب أن تصاحب ذلك ضوابط واضحة بشأن صلاحيات الوصول، وحماية البيانات، وسرية الاتصالات القانونية، والامتياز المهني، ودقة المحتوى وتحديثه.
أما القيادات التنفيذية والمالية، فيمكنها الاستفادة من المشروع في وضع مؤشرات لقياس أثر إدارة المعرفة، مثل انخفاض عدد الطلبات المكررة الموجهة إلى المستشارين الخارجيين، وقيمة الوفورات في الإنفاق القانوني، ومتوسط زمن الوصول إلى المعلومة، ومدى استخدام قاعدة المعرفة، ومستوى اتساق المشورة ورضا قطاعات الأعمال.
وبالنسبة إلى مكاتب المحاماة الخارجية، تبرز الدراسة أهمية تقديم الاستشارات والمخرجات القانونية في صور منظمة وقابلة للحفظ والاسترجاع، بما يساعد عملاءها على دمج هذه المخرجات في قواعد المعرفة الداخلية، مع مراعاة الضوابط التعاقدية المتعلقة بالسرية وحقوق الاستخدام والملكية الفكرية.
خاتمة
تقدم دراسة جمعية مستشاري الشركات تجربة عملية لكيفية انتقال الإدارة القانونية من حفظ المعرفة بصورة متفرقة إلى إدارتها باعتبارها أصلًا مؤسسيًا يدعم اتخاذ القرار ويعزز الكفاءة التشغيلية. وتؤكد التجربة أن نجاح استخدام الذكاء الاصطناعي لا يتوقف على الأداة التقنية وحدها، بل يرتبط أساسًا بجودة المحتوى، ومشاركة الفرق القانونية، وإمكان الرجوع إلى المصادر الأصلية، واستمرار المراجعة البشرية، ووضع ضوابط تحمي السرية والامتياز المهني.
وعليه، تمثل تجربة Mars Legal Beagle نموذجًا قابلًا للاستفادة بالنسبة إلى الإدارات القانونية الكبيرة الساعية إلى تقليل تكرار العمل، وترشيد الاستعانة بالمستشارين الخارجيين، وتحسين اتساق المشورة وسرعة تقديمها، شريطة تطبيقه ضمن إطار واضح للحوكمة والمسؤولية المهنية وقياس النتائج.
للإطلاع على أبرز الاتجاهات الحديثة في الادارات القانونية، وكيفية الاستفادة من هذه التحديثات في ادارتك القانونية، انضم لمناقشات المؤتمر العربي للأدارات القانوينة، للتسجيل أضغط هنا