The Third Arab Conference on Legal Departments Legal Departments The Third Arab Conference on Legal Departments

مقالات المؤتمرات

دليل المستشار القانوني لبناء أثر ملموس في الأعمال داخل المؤسسة

لم يعد نجاح المستشار القانوني داخل المؤسسة يقاس بمدى إتقانه للنصوص القانونية أو قدرته على صياغة عقود محكمة

دليل المستشار القانوني لبناء أثر ملموس في الأعمال داخل المؤسسة

  • عام

دليل المستشار القانوني لبناء أثر ملموس في الأعمال داخل المؤسسة

لم يعد نجاح المستشار القانوني داخل المؤسسة يقاس بمدى إتقانه للنصوص القانونية أو قدرته على صياغة عقود محكمة فحسب، بل أصبح مرتبطًا بقدرته على فهم نشاط المؤسسة، والمشاركة في قراراتها، وتقديم حلول قانونية تساعدها على تحقيق أهدافها مع إدارة المخاطر بصورة واعية.

ويواجه كثير من المستشارين القانونيين تحديًا مهنيًا يتمثل في أن جانبًا كبيرًا من عملهم يظل بعيدًا عن الأنظار؛ فقد ينجح المستشار في حماية المؤسسة من مخاطر جوهرية أو في معالجة مسائل قانونية معقدة، من دون أن يدرك أصحاب القرار حجم القيمة التي أضافها. ومن هنا تظهر أهمية بناء التأثير وتعزيز الحضور المهني، ليس بغرض الترويج للذات، وإنما لترسيخ مكانة المستشار القانوني بوصفه شريكًا موثوقًا يُستعان به منذ المراحل الأولى لاتخاذ القرار.

والتأثير والحضور ليسا صفتين فطريتين بالضرورة، بل مهارتان يمكن اكتسابهما وتطويرهما من خلال الممارسة اليومية، وطريقة التواصل، وفهم احتياجات أصحاب المصلحة، والاختيارات المهنية التي يتخذها المستشار على امتداد مسيرته.

الجزء الأول

التأثير والحضور: دليل عملي للمستشار القانوني الداخلي

من مراجع قانوني إلى شريك موثوق

كانت إحدى المستشارات القانونيات داخل مؤسسة ما معروفة بدقتها الشديدة في مراجعة العقود، حتى أطلق عليها زملاؤها وصف «محامية القلم الأحمر». ورغم كفاءتها القانونية، لم تكن الإدارات المختلفة تلجأ إليها إلا في المراحل الأخيرة من المشروعات، بعد اتخاذ القرارات الأساسية، وكان دورها يقتصر غالبًا على مراجعة المستندات وتحديد أوجه الخطأ.

أدركت المستشارة أن المشكلة لا تتعلق بمستواها الفني، وإنما بالصورة التي تكونت لدى زملائها عن طبيعة دورها. وبدعم من أحد القيادات الذي تولى إرشادها مهنيًا، بدأت في تغيير أسلوب عملها من خلال ثلاثة تحولات رئيسية.

أولًا، طلبت المشاركة في مناقشات المشروعات منذ بدايتها، موضحةً أن فهمها للأهداف التجارية مبكرًا سيساعدها على تقديم حلول أسرع وأكثر ملاءمة. وثانيًا، أصبحت تبدأ مناقشاتها بأسئلة تتعلق بالنتيجة التي يسعى قطاع الأعمال إلى تحقيقها، بدلًا من الانتقال مباشرة إلى سرد المخاطر القانونية. وثالثًا، توقفت عن تقديم إجابات قاطعة تقتصر على القبول أو الرفض، وأصبحت تعرض البدائل المتاحة، والمخاطر المرتبطة بكل بديل، والمفاضلات التي ينبغي مراعاتها.

ومع مرور الوقت، تغيرت نظرة زملائها إليها، وأصبحوا يدعونها إلى اجتماعات التخطيط وصياغة الاستراتيجيات. ولم يكن هذا التحول نتيجة تغير طبيعة مهامها القانونية، بقدر ما كان نتيجة تغير الطريقة التي قدمت بها خبرتها والدور الذي اختارت أن تؤديه داخل المؤسسة.

سؤال للتأمل: في أي المواقف يُنظر إليك باعتبارك مراجعًا قانونيًا فحسب؟ وما الذي يمكنك فعله لتصبح شريكًا في صياغة القرار؟

5 ممارسات لتنمية التأثير والحضور

1. تحديد الصورة المهنية داخل المؤسسة

تتمثل الصورة المهنية في الانطباع الذي يتكون لدى الآخرين عن المستشار القانوني وطريقة عمله. ولذلك، ينبغي ألا تقتصر سمعة المستشار على الدقة القانونية أو القدرة على اكتشاف الأخطاء، بل يجب أن ترتبط أيضًا بحسن التقدير، والواقعية، والقدرة على التعامل بهدوء مع المواقف المعقدة.

ومن المفيد أن يسأل المستشار نفسه عن الصفات التي يستخدمها زملاؤه لوصفه حاليًا، ثم يحدد الصورة التي يرغب في ترسيخها مستقبلًا. ويساعد هذا التقييم على معرفة السلوكيات التي ينبغي الحفاظ عليها، وتلك التي تحتاج إلى تطوير.

سؤال للتأمل: إذا طُلب من زملائك وصفك بثلاث كلمات، فما الكلمات التي تتوقع أن يستخدموها؟ وما الكلمات التي ترغب في أن يستخدموها بعد عامين؟

2. فهم طبيعة الأعمال

لا يستطيع المستشار القانوني التأثير في القرارات ما لم يفهم السياق التجاري الذي تصدر فيه. فالمعرفة القانونية، مهما بلغت دقتها، لا تكفي وحدها لتقديم مشورة مفيدة إذا كانت منفصلة عن استراتيجية المؤسسة، ونموذج أعمالها، وأولوياتها، ومؤشرات أدائها، ومدى استعدادها لتحمل المخاطر.

ويقتضي ذلك متابعة خطط المؤسسة، والتعرف إلى مصادر إيراداتها، وفهم التحديات التي تواجه الإدارات المختلفة، ثم ربط العمل القانوني بهذه العناصر. وكلما ازداد فهم المستشار للأعمال، أصبح أكثر قدرة على صياغة المشورة القانونية بطريقة تتناسب مع الواقع العملي.

سؤال للتأمل: ما أهم أولويات المؤسسة خلال العام الحالي؟ وكيف يمكن للعمل القانوني أن يدعم تحقيقها بصورة مباشرة؟

3. تطوير الحضور التنفيذي

لا يعني الحضور التنفيذي الاستحواذ على الحديث أو محاولة الظهور المستمر، وإنما يعني القدرة على التواصل بوضوح وثبات وتحقيق أثر في المناقشات المهمة.

ويظهر هذا الحضور في إعداد توصيات موجزة، وعرض المسائل المعقدة بطريقة مفهومة، والمحافظة على الهدوء في الاجتماعات المتوترة، وتنبيه أصحاب المصلحة مبكرًا إلى المشكلات المتوقعة. فالقائد القانوني الفاعل لا يفاجئ الإدارة بالمخاطر في اللحظات الأخيرة، بل يتيح لها الوقت الكافي لفهمها والتعامل معها.

سؤال للتأمل: كيف تبدو مشاركتك في الاجتماعات المهمة؟ وما السلوك الذي يمكنك تغييره لزيادة أثر حضورك؟

4. تعزيز الحضور الاستراتيجي

يتحقق الحضور المهني الحقيقي من خلال المشاركة في المواضع التي تُناقش فيها القضايا المؤثرة وتُتخذ فيها القرارات الجوهرية. وقد يكون ذلك بالانضمام إلى فريق مشروع، أو المشاركة في لجنة متعددة الإدارات، أو تقديم إحاطة قانونية مختصرة للإدارة العليا، أو توضيح الأبعاد العملية لمسألة قانونية في اجتماع عام.

ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد الوجود، وإنما تقديم مساهمة تضيف قيمة إلى النقاش وتساعد المشاركين على اتخاذ قرار أفضل.

سؤال للتأمل: ما المشروع أو اللجنة أو الاجتماع الدوري الذي يمكن أن تضيف مشاركتك فيه قيمة للمؤسسة، وفي الوقت نفسه تعزز حضورك المهني؟

5. الاستثمار في العلاقات اليومية

لا يُبنى التأثير عند ظهور الأزمة، وإنما يتشكل تدريجيًا من خلال العلاقات اليومية. ولذلك، يجب على المستشار القانوني أن يفهم أهداف أصحاب المصلحة، والضغوط التي يواجهونها، والمعايير التي يُقاس بها أداؤهم، والمشكلات التي تؤثر في نجاحهم.

وتسهم الاجتماعات الفردية المنتظمة، وطرح الأسئلة باهتمام، والوفاء بالالتزامات، والمتابعة الجادة، في بناء قدر كبير من الثقة. وعندما تترسخ هذه الثقة، يصبح أصحاب المصلحة أكثر استعدادًا لإشراك الإدارة القانونية في وقت مبكر والاستفادة من رأيها.

سؤال للتأمل: ما العلاقات المهنية التي سيؤدي تطويرها إلى زيادة فاعليتك؟ وما الخطوة العملية التي يمكنك اتخاذها تجاه كل علاقة خلال الشهر الحالي؟

الحضور من خلال العمل المشترك بين الإدارات

تطوعت إحدى المستشارات القانونيات للمشاركة في مشروع كبير لتطبيق نظام جديد داخل المؤسسة. وفي البداية، اقتصر المطلوب منها على مراجعة العقود المرتبطة بالمشروع. لكنها اختارت أن تتجاوز هذا الدور، فشاركت في جلسات العمل، واستمعت إلى التحديات التشغيلية، وساعدت الفريق على تحويل القيود القانونية إلى بدائل قابلة للتنفيذ.

وبحلول نهاية المشروع، أصبحت المرجع الذي يلجأ إليه قادة الأعمال عند التفكير في إطلاق مبادرة جديدة. ورغم أن مسماها الوظيفي لم يتغير في ذلك الوقت، فقد تغيرت مكانتها داخل المؤسسة، وعندما ظهرت فرصة للترقية في العام التالي، كانت من أبرز المرشحين لها.

وتوضح هذه التجربة أن الحضور لا يرتبط بالمنصب وحده، وإنما بالقيمة التي يقدمها المستشار في المشروعات المهمة وقدرته على المشاركة في حل المشكلات من منظور يتجاوز المراجعة القانونية التقليدية.

تحويل المبادئ إلى ممارسة يومية

لا يحتاج تطوير التأثير والحضور إلى خطة معقدة. ويمكن البدء باختيار موقف واحد، مثل اجتماع مهم أو قرار قيد الدراسة أو علاقة مع أحد أصحاب المصلحة، ثم تطبيق مجموعة من الخطوات البسيطة:

  • تحديد الصورة المهنية التي يرغب المستشار في الظهور بها.

  • إعداد عدد محدود من الأسئلة التي تركز على أهداف الأعمال.

  • تقديم المشورة في صورة بدائل، مع بيان مخاطر كل بديل وآثاره.

  • متابعة النقاش بعد انتهائه بما يعزز العلاقة ويضمن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

فالتأثير لا يتشكل في موقف استثنائي واحد، وإنما يتراكم من خلال كل محادثة واجتماع ومساهمة عملية. وكلما مارس المستشار هذه السلوكيات بوعي واستمرار، ازدادت ثقة الآخرين فيه، وأصبحوا أكثر اعتمادًا عليه بوصفه مستشارًا وشريكًا في اتخاذ القرار.

الجزء الثاني

كيف يصبح المستشار القانوني الداخلي شريكًا استراتيجيًا للأعمال؟

يمثل الانتقال من ممارسة المحاماة في مكتب خاص إلى العمل داخل مؤسسة تحولًا يتجاوز مجرد تغيير جهة العمل. ففي الممارسة الخاصة، يركز المحامي عادةً على تحديد المسائل القانونية وتحليلها وبيان المخاطر المرتبطة بها، بينما يحتفظ العميل بالسياق التجاري الكامل ويتحمل النتائج العملية للمشورة المقدمة إليه.

أما المستشار القانوني الداخلي، فهو جزء من المؤسسة ويتأثر مباشرة بنتائج قراراتها. فهو يشارك في حماية الإيرادات، ودعم التوظيف، والمحافظة على علاقات العملاء، وتسريع تنفيذ المشروعات. ومن ثم، لا يقتصر دوره على حماية المؤسسة من المخاطر، بل يمتد إلى مساعدتها على العمل والنمو واتخاذ قرارات قابلة للتنفيذ.

وتحتاج المؤسسات في كثير من الأحيان إلى التحرك في ظل وجود قدر من المخاطر، لذلك فإن المشورة التي تكون صحيحة من الناحية القانونية لكنها غير قابلة للتطبيق من الناحية التشغيلية قد تعطل الأعمال بدلًا من حمايتها. ومن هنا تظهر ضرورة انتقال المستشار القانوني من أداء دور فني محدود إلى أداء دور الشريك الاستراتيجي.

ولمناقشة إبراز القيمة الاستراتيجية للادارات القانونية، يناقش المؤتمر العربي للادارات القانونية في نسخته الثالثة هذا الموضوع وينقل لك تجارب وخبرات وأهم الإتجاهات الدولية 

للتسجيل أضغط هنا

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك كل جديد من المقالات والتحليلات القانونية مباشرةً على بريدك الإلكتروني.

سجل الآن كن راعى